حبيب الله الهاشمي الخوئي
358
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وأمّا قوله : ( وأبدلهم بي شرّا منّي ) فربّما استشكل صدور مثل هذا الدّعاء عنه عليه السّلام من وجهين : أحدهما أنّه يقتضى أن يكون هو ذا شرّ وقد ثبت أنّه كان منزّها عن الشّرور الثّاني أنّه كيف يجوز أن يدعو بوجود الشّرور ووجود الأشرار وأجيب عن الأوّل بوجهين أحدهما أنّ صيغة افعل لم يرد بها التّفضيل وإنّما أريد بها أصل الوصف فالمعنى أبد لهم بمن فيه شرّ غيري الثاني أن يكون شرّا منّي بحسب عقايد أهل الكوفة إنّ فيّ شرّا عليهم واعتقادهم أنّه ذو شرّ لا يوجب كونه كذلك . وعن الثّاني بوجهين أيضا أحدهما أنّ دعائه عليه السّلام بما يبدلهم بمن هو شرّ منه مشتملة على مصلحة مقتضية لحسنه وهو أنّ هذا الدّعاء ربما يكون مخوفا لهم جاذبا لأكثرهم إلى اللَّه سبحانه مع ما فيه مضافا إلى ما ذكر من أنّ نزول الأمر المدعوّ به عليهم بعده ممّا ينبّههم على فضله ويذكرهم أنّ ابتلائهم بذلك إنّما هو لتركهم أوامر اللَّه وخروجهم عن طاعته وطاعة وليّه الثاني لعلَّه إنّما دعى عليهم لعلمه أنّه لا يرجى صلاحهم فيما خلقوا لأجله ومن لا يرجى صلاحه بل يكون وجوده سببا لفساد النّظام فعدمه أولى فيكون الدّعاء عليهم مندوبا إليه . وعلى ذلك يحمل أيضا دعاؤه بقوله : ( اللَّهمّ مث قلوبهم ) بتوارد الهمّ والغمّ والخوف عليهم ( كما يماث الملح في الماء ) وذلك الدّعاء تأسّ منه عليه السّلام بالسّابقين من الأنبياء في الشّكاية من قومهم إلى اللَّه والدّعاء عليهم كنوح عليه السّلام إذ قال ربّ إنّي دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلَّا فرارا ، ثمّ ختم بالدّعاء على من لم يرج صلاحهم بقوله : ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا . روى إنّ اليوم الذي دعا عليهم فيه بهذا الدعاء ولد فيه الحجّاج بن يوسف ، وروى أنّه ولد بعد ذلك اليوم بأوقات يسيرة وفعله بأهل الكوفة مشهور حتّى قيل لو جاءت كلّ امّة بخبيثها وفاسقها وفاجرها وجئنا بالحجّاج وحده لزدنا عليهم . وعن مروج الذّهب للمسعودي أنّ امّ الحجّاج ولدته لا دبر له فثقب له دبر وأبي